ابن الحسن النباهي الأندلسي

22

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

القضاء من أعظم الخطط قدرا ، وأجلّها خطرا ، لا سيّما إذا اجتمعت إليها الصلاة ، وعلى القاضي مدار الأحكام ، وإليه النظر في جميع وجوه القضاء . فصل : وكلّ من ولي الحكم بين المسلمين ، من أمير ، أو قاض ، أو صاحب شرطة ، مسلط اليد . وكلّ ما كان في عقوبتهم من موت ، وكان في حدّ من حدود اللّه تعالى ، وأدب لحقّ ، فهو هدر ؛ وما أتى من ظلم بيّن ، مشهور ، معتمد ، فعليه العود في عمده ، والعقل في خطائه . وكذلك ما تعمّد من إتلاف مال بغير حقّ ، ولا شبهة ، فذلك في ماله ، يأخذ به المظلوم إن شاء منه ، أو من المحكوم له به . من « كتاب الاستغناء » لابن عبد الغفور . وفي « المقنع » : قال سحنون : وإذا قضى القاضي على رجل يجور في الأموال ، وكان الذي قضى له بالمال قد أكله ، واستهلكه ، ولم يوجد عنده ، كان ما قضى به على الرجل على القاضي في ماله . وإذا لم يجر في قضائه ، وهو عدل ، رضي ، وإنما خطأ أخطأه ، أو غلط غلطه ، لم يكن عليه شيء من خطئه . وإذا أقرّ القاضي على نفسه أنّه جار في قضائه ، إذا كان قاضيا ، في قتل نفس ، أو قطع يد ، أو قصاص ، أو جراح ، فما أقرّ به ، أو ثبت عليه من غير إقرار ، أقيد « 1 » منه . قال أبو أيّوب ، في باب خطأ القاضي من الكتاب المسمّي : وقد أقاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأبو بكر ، وعمر - رضي اللّه عنهما من أنفسهم . وممّا تقرّر في الشريعة أنّ حكم الحاكم لا يحلّ الحرام ، وأنّ الفروج والدماء والأموال سواء ، بدليل قوله صلّى اللّه عليه وسلم : « إنّكم تختصمون إليّ ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض ؛ فأقضي له على نحو ما أسمع . فمن قضيت له من حقّ أخيه شيئا ، فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار ! » فأجرى اللّه تعالى أحكام رسوله صلّى اللّه عليه وسلم على الظاهر الذي يستوي فيه هو وغيره من البشر ، ليصحّ اقتداء أمّته به في قضاياه ، ويأتون ما أتوا من ذلك على علم من سنّته ، إذ البيان بالفعل أولى من القول وأرفع لاحتمال اللفظ . وقوله : « أقضي له على نحو ما أسمع » احتجّ به من لا يجيز حكم الحاكم بعلمه لقوله : « فلعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته من بعض » أي أفطن لها ، وقوله : « على نحو ما أسمع » ؛ ولم يقل : « أعلم » ؛ ومن يرى حكم الحاكم بعلمه لا يلتفت إلى ما سمع ، خالف أو وافق .

--> ( 1 ) يقال : أقاد الأمير القاتل بالقتيل : قتله به قواد . محيط المحيط ( قود ) .